آخر الأخبار :

كيف يمكن للصحفيين أن يعرضوا المشتبه في انتمائهم إلى "داعش" للانتهاكات

يقدمون ما يجذب المشاهد: مقابلات مع عناصر "داعش" حول سبب انضمامهم، وما فعلوه وشاهدوه، وما يواجهونه بعد هزيمتهم واعتقالهم. قد يبدو أن تلك اللقاءات تعطينا فكرة عما يحفز أعضاء داعش. لكن كقاعدة عامة، على المؤسسات الإخبارية عدم مقابلة أسرى ليسوا في وضع يسمح لهم بالموافقة بكامل إرادتهم عليها، أو قد يواجهون مخاطر قانونية وجسدية، بما في ذلك التعذيب، عبر تعاونهم مع الصحفيين – بغض النظر عن جاذبية القصة.

بثت عدة جهات، مثل "سي بي إس" و"فوكس" و"سكاي"، مقابلات مع داعش. قدمتهم كفرصة نادرة للتعرف على التنظيم السري، دون اتخاذ أي خطوات لإخفاء هوياتهم، وغالبا بحضور حراس. على الجهات الإعلامية عدم تعريض من تقابلهم لخطر أكبر؛ وعليها بذل كل جهدها لحمايتهم من سوء المعاملة ومما قد يكون فعليا اعترافات قسرية – حتى لو كان يُشبته بانتمائهم إلى داعش.

في فيديو عُرض على "فايس نيوز تونايت" في أكتوبر/تشرين الأول الماضي مثلا، أجرى مراسل لقاءً مع مشتبه بانتمائه إلى داعش بحضور جندي من حكومة إقليم كردستان العراق. اعترف المشتبه به بقطع رؤوس 5 جنود من قوات البشمركة (الحكومة الكردية). يقول المحتجز، عبر الترجمة، إنه دُرّب على كيفية قطع الرأس وأسهب في وصف العملية. رغم وجود حارس، يقول المراسل إن المشتبه به "يصر على أنه يتحدث إلينا بكامل إرادته". في نفس مرفق الاحتجاز، يلتقي المراسل مشتبها به آخر (15 عاما) ويذكر اسمه، رغم وضوح كونه جنديا طفلا، ويسأله حول التدريب الذي تلقاه من داعش.

رغم عدم معرفتنا ما حدث لهؤلاء بعدها، لكن قصة فايس مثال على كيفية قيام جهة إخبارية دولية مرموقة بتعريض مصادرها للخطر.

ردا على المخاوف، قال متحدث باسم فايس نيوز إن "الواجب الصحفي يحتم عرض الأوضاع الميدانية، كتجنيد داعش لليافعين. تُتخذ جميع قراراتنا التحريرية بعناية مع مراعاة القوانين والاعتبارات الأخلاقية. الجدل حول إن كانت مقابلة معينة في موقف معين مبررة قد يكون سلاحا ذا حدين، هنا في وغرف التحرير الأخرى".

يتعرض الصحفيون ممن يمكنهم الوصول إلى أعضاء تنظيم داعش لضغوط هائلة من محرري وكالاتهم لتقديم قصص عن الفظائع الأخيرة: اغتصاب واستعباد النساء الأيزيديات، الإعدامات الجماعية، والوحشية ضد المدنيين الذين عاشوا في ظل داعش.

لكن من غير المقبول أيضا أن يشجع المحررون هذا العمل دونما النظر للعواقب. واجهتُ هذه المشكلة في السنتين الأخيرتين خلال تغطيتي العراق لـ"هيومن رايتس ووتش". تعدم السلطات أو تسجن مدى الحياة كل من يُتهم بعضويته في داعش، غالبا بعد انتزاع قوات الأمن اعترافا منه، أحيانا عبر التعذيب. على الجهات الإخبارية ألا تتواطأ في العملية، سواء عبر المشاركة في مقابلة قسرية بطبيعتها، أو لقاء أشخاص يمكن تحديد هويتهم دون أن يتمكنوا من الموافقة بإرادتهم.

يظهر مقطع فيديو بثته "بي بي سي 3" في فبراير/شباط امرأة أيزيديّة احتُجزت كجارية لداعش تقابل مشتبها بانتمائه إلى التنظيم، ومن جديد بحضور قوات حكومة إقليم كردستان. يخبرها بالعربية أنه اغتصب وقتل مئات النساء والفتيات، واصفا ذلك بتفصيل مؤلم. مرة أخرى، يمثل وجود الحارس مخاطرة. طلبت القناة من المعتقل الاعتراف أمام الكاميرا، وقبل إدانته قضائيا. ما الخطوات التي اتخذتها لضمان عدم تعرضه للتهديد أو الضرب بسبب ما قاله؟

قالت بي بي سي إنها تولي عناية كبيرة للمقابلات مع السجناء. قال متحدث باسم المؤسسة ردا على مخاوفنا: "مبادئنا التحريرية واضحة جدا، وهي أن المحتوى الذي تقدمه بي بي سي يجب أن يحترم الكرامة الإنسانية. لن نقبل دعوات لمقابلة السجناء ما لم نكن واثقين من عدم إكراههم".

من منظور حقوقي، يبدو ما سبق أمرا صعب التأكد منه، وينبغي لغرف الأخبار أن تكون أكثر شفافية بشأنه. كيف يقيّم المحررون أن موافقته على المقابلة كانت حرة ومستنيرة؟ لماذا قرروا كشف هويته؟ وهل نظروا للصدمة المحتملة التي قد تعاني منها المرأة التي كانت ضحية الانتهاكات؟

في مقطع فيديو لقناة "سي بي سي" حول عملية إعداد تقارير المقابلات التي أجرتها مع داعش، بُثّ في ديسمبر/كانون الأول، طلب رائد في الجيش العراقي من الطاقم التوقف عن التسجيل. عندها، يقول مراسل سي بي سي إن معتقل داعش المعصوب العينين تلقى ركلات وصفعات لرفضه الاعتراف بأعمال العنف التي ارتكبها أمام الكاميرا. يقول الرائد إنه سيقتل السجين إذا لم يدل بالحقيقة، بينما بقي المعتقل مصرا على أنه مجرد طباخ لداعش. في المقطع، يشرح المراسل المعاملة المسيئة بالقول إنه اكتشف بخبرته أن الإجراءات الأمنية في الشرق الأوسط مختلفة عن نظيرتها الكندية. عجلت المقابلة بالاعتداء على المعتقل، فما الخطوات التي اتخذها الطاقم لحمايته من أي إساءة أخرى ناتجة عما قاله أمام الكاميرا؟ لا يوجد في هذا الفيديو ما يشير إلى أن المحتجز كان لديه خيار بشأن موافقته على المقابلة.

قال متحدث باسم سي بي سي إن كلا الرجلين وافقا تحديدا على إظهار هويّتاهما، وأشارا إلى أن النسخة المنشورة على الموقع الإلكتروني تتضمن روابط لتقرير لـ هيومن رايتس ووتش عن إساءة معاملة المعتقلين.

لا تقتصر هذه الممارسة على العراق. في سوريا، أعطت "قوات سوريا الديمقراطية المتحالفة" مع التحالف المناهض لداعش بقيادة الولايات المتحدة الصحفيين إمكانية وصول بعض القنوات، مثل "سي إن إن"، إلى بعض محتجزي داعش، ومنهم مشتبه بهما بارزان في التنظيم. اكتسبت القصة أهمية واسعة: كلا الرجلين، الشافعي الشيخ وأليكساندا كوتي، متهمان باحتجاز والمساعدة في إعدام رهائن غربيين، منهم الصحفيان جيمس فولي وستيفن سوتلوف. سُئل الرجلان، واللذان لم يكن لديهما محامون، عن جرائم مروعة متهمان بارتكابها.

في ما تردد أنه أول لقاء تلفزيوني مع الشيخ، لقناة "الآن"، بدا الأخير أنه على دراية باحتمال محاكمته لاحقا استنادا إلى هذه التسجيلات. عندما سُئل عن تورطه في جرائم مختلفة، كالتعذيب والإعدامات الوهمية، أجاب: "هناك عملية قانونية مستمرة وحال الانتهاء منها، يمكننا التحدث عن أي اتهامات موجهة إليّ". قلّة هم المشتبه بهم الذين برهنوا عن مثل هذه الدراية.

وثقت أنا وزملائي في هيومن رايتس ووتش على نطاق واسع الافتقار إلى التمثيل القانوني المناسب لمشتبه في انتمائهم إلى داعش، كما فعل العديد من المراسلين. كانت هناك محاكمات قال فيها المتهمون إنهم تعرضوا للتعذيب للاعتراف بتورطهم مع داعش. وحتى إذا أطلق سراح المحتجزين، الذين سيوصمون لاحقا بأنهم من داعش، من دون اتهامات، فقد يواجهون انتقاما من المجتمعات المحلية.

في أكتوبر/تشرين الأول 2014، بثت شبكة "سي بي إس" مقطعا لمقابلات أجرتها مراسلتها في شمال سوريا مع 3 معتقلين، أحدهم عمره 15 عاما، بحضور حراسهم. كانوا معصوبي الأعين، لكنها حددتهم بالاسم. أحد المحتجزين يرتجف بشكل واضح ويرفع يديه لحماية وجهه. أخبرها أنه ظن أنه أُخذ لضربه، لكن جُلب للمقابلة.

قال متحدث باسم شبكة سي بي إس لـ هيومن رايتس ووتش إن المراسلة أوضحت الظروف التي كانت تجري فيها المقابلة، مضيفا أن سي بي إس لا تناقش إجراءاتها التحريرية.

في يونيو/حزيران 2016، نشرت فايس شريط فيديو للقوات العراقية والميليشيات الحليفة خلال عمليات استعادة السيطرة على الفلوجة من داعش. أظهر الشريط عدة مشاهد للقوات العراقية تقبض على أعضاء مزعومين من داعش وتستجوبهم دون طمس هوياتهم. في أحد المشاهد، يجمع القائد رجال القرية ويضع أسماء الأشخاص المشتبه في انتمائهم إلى داعش ويعتقل بعضهم عندما يؤكد الموجودون انتمائهم. كان الرجال متهمون فقط بانتمائهم إلى داعش. لكن حتى إذا قرر أحد القضاة لاحقا عدم توجيه تهم إليهم والإفراج عنهم، فقد وُصموا علنا بأنهم من داعش ويمكن أن يعانوا (وأسرهم) من عواقب وخيمة قد تصل حد الموت.

في مقطع فيديو صورته فايس قرب الموصل العام نفسه، تظهر قوات إقليم كردستان وهي تأسر وتستجوب رجلا تعتقد أنه من داعش، وتجبره على قول اسمه أمام الكاميرا. واضح أنه لم يكن مخيرا بشأن تصويره. الآن بات وجهه واسمه معروفين.

لا تقتصر المخاطر على المشتبه في انتمائهم إلى داعش فحسب. وجدت دراسة قيام بعض الصحفيين بالضغط على النساء والفتيات الأيزيديات الناجيات من الاغتصاب والاختطاف على يد داعش لإجراء مقابلات. على الصحفيين أن يكونوا على وعي بإعادة تصور الصدمة وما يرافقها من تبعات نفسية وبدنية للناجين جراء تكرار قصصهم. قالت بعض النساء إن الصحفيين وعدوهن بالمال أو المساعدات، أو لم يوضحوا إن كانوا سيكشفون عن هوياتهن ويظهروا وجوههن، ما يعرض النساء وأقاربهن لخطر الوصم والمزيد من الأذى.

يُصوّر المجتمع الدولي بشكل كبير داعش كالتنظيم "الأكثر شرا". غالبا ما يستخدم لغة مجردة من الإنسانية تجاه المشتبه بانتمائهم إلى داعش. استمعتُ إلى قادة عسكريين وموظفين من دول في التحالف المناهض لداعش يستخدمون تلك الطريقة لتفسير جرائم الحرب المروعة التي ترتكبها القوات العراقية ضد المشتبه في انتمائهم إلى التنظيم. ينبغي ألا يؤثر هذا الوضع على كيفية تغطية الصحفيين لسجناء داعش.

على المراسلين التنبه إلى ضرورة حماية المتحدثين في المقابلات. لا تجروا المقابلات بحضور حراس. احصلوا على موافقة حرة ومستنيرة. لا تكشفوا وجوه المشتبه بهم. لا تذكروا أسماءهم. إذا لم تتمكن الجهات الإخبارية من القيام بذلك، عليها إعادة النظر في إجراء المقابلات بالأصل.

نواجه في هيومن رايتس ووتش ذات المخاوف. لا نريد الإسهام في انتهاكات اتفاقيات جنيف، التي تلزم الجيوش الوطنية والجماعات المسلحة بمعاملة جميع المحتجزين بإنسانية، كعدم تعريض السجناء "للفضول العام"، كما في حالة المقابلة التلفزيونية، وتوفير حماية خاصة للأطفال المحتجزين. نعمل على تقليل المخاطر قدر المستطاع لمن تُجرى معهم مقابلات – أو عدم لقائهم مطلقا إذا لم تكن الظروف المحيطة آمنة. الخطأ هنا قد يعرّض الأرواح للخطر.